ابن ميثم البحراني
14
شرح نهج البلاغة
ومنها : فِتَنٌ كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ - لَا تَقُومُ لَهَا قَائِمَةٌ ولَا تُرَدُّ لَهَا رَايَةٌ - تَأْتِيكُمْ مَزْمُومَةً مَرْحُولَةً - يَحْفِزُهَا قَائِدُهَا ويَجْهَدُهَا رَاكِبُهَا - أَهْلُهَا قَوْمٌ شَدِيدٌ كَلَبُهُمْ - قَلِيلٌ سَلَبُهُمْ - يُجَاهِدُهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَوْمٌ أَذِلَّةٌ عِنْدَ الْمُتَكَبِّرِينَ - فِي الأَرْضِ مَجْهُولُونَ - وفِي السَّمَاءِ مَعْرُوفُونَ - فَوَيْلٌ لَكِ يَا بَصْرَةُ عِنْدَ ذَلِكِ - مِنْ جَيْشٍ مِنْ نِقَمِ اللَّهِ - لَا رَهَجَ لَهُ ولَا حَسَّ - وسَيُبْتَلَى أَهْلُكِ بِالْمَوْتِ الأَحْمَرِ - والْجُوعِ الأَغْبَرِ أقول : يحفزها : يدفعها من خلف . والكلب : الشرّ . والأذّلة : جمع ذليل . والرهج : الغبار . والحسّ : الصوت الخفيّ . وقد نبّه في هذا الفصل على ما سيقع بعده من الفتن ، ويخصّ منها فتنة صاحب الزنج بالبصرة وشبّه تلك الفتن بقطع الليل المظلم ، ووجه الشبه ظاهر . ولا تقوم لها قائمة : أي لا يمكن مقابلتها بما يقاومها ويدفعها ، وإنّما أنّث لكون القائمة في مقابلة الفتنة . وقيل : لا تثبت لها قائمة فرس ، واستعار لفظ الزمام والرحل والحفز والقائد والراكب وجهده لها ملاحظة لشبهها بالناقة ، وكنّى بالزمام والرحل عن تمام إعداد الفتنة وتعبيتها كما أنّ كمال الناقة للركوب أن تكون مزمومة مرحولة ، وبقائدها عن أعوانها ، وبراكبها عن منشئها المتبوع فيها ، وبحفزها وجهدها عن سرعتهم فيها ، وأهلها إشارة إلى الزنج وظاهر شدّة كلبهم وقلَّة سلبهم . إذ يكونوا أصحاب حرب وعدّة وخيل كما يعرف ذلك من قصّتهم المشهورة كما سنذكر طرفاً منها فيما يستقبل من كلامه في فصل آخر ، وقد وصف مقاتليهم في اللَّه بكونهم أذلَّة عند المتكبّرين ، وكونهم مجهولين في الأرض : أي ليسوا من أبناء الدنيا المشهورين بنعيمها ، وكونهم معروفين في السماء هو إشارة إلى كونهم من أهل العلم والايمان